موجات الدماغ سلاح جديد لتدريب روبوتات الذكاء الاصطناعي
بقلم الأدمن
في مستودع بمدينة سان لياندرو الكاليفورنية، يجلس موظف يرتدي خوذة مزودة بكاميرا وأجهزة استشعار عصبية، وهو يسحب قطعاً خشبية من برج متأرجح بتركيز تام. المشهد يبدو عادياً للوهلة الأولى، لكنه في حقيقته تجربة من الجيل القادم: قياس موجات الدماغ البشري بهدف تحسين قدرة الروبوتات على التعلم وفهم العالم المادي من حولها.
أزمة البيانات: العائق الحقيقي أمام روبوتات المستقبل
تشهد صناعة الذكاء الاصطناعي الجسدي — وهو المجال الذي يُعنى ببناء أنظمة روبوتية قادرة على التفاعل مع البيئة المحيطة — تحدياً جوهرياً لا يتعلق بتصميم النماذج أو قوة المعالجات، بل يكمن في شُحّ البيانات التدريبية الواقعية. فعلى النقيض من نماذج اللغة الكبيرة التي بنت قاعدتها المعرفية من مليارات الصفحات المتاحة على الإنترنت بتكلفة زهيدة، تحتاج الروبوتات إلى بيانات مادية دقيقة يصعب جمعها أو محاكاتها رقمياً.
شركة Encord البريطانية المتخصصة في أدوات البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، تعمل على تجاوز هذه الأزمة بنهج مختلف: بدلاً من الاكتفاء بإدارة البيانات الموجودة، باتت تُصنّع البيانات من الصفر. ويقول فينيث فيلمورغان، رئيس قسم تعلم الآلة الروبوتية في الشركة وأحد المخضرمين في مختبر روبوتات OpenAI: «البيانات ببساطة غير موجودة».
موجات الدماغ: بيانات من طبقة جديدة
تتعاون Encord مع الشركة الألمانية Zander Labs المتخصصة في علم الأعصاب، لتطوير خوذة تقيس النشاط الكهربائي للدماغ أثناء أداء المشغّلين البشريين للمهام اليدوية. الفكرة لا تقتصر على تسجيل الحركات، بل تمتد إلى رصد الحالات الذهنية مثل الخطأ والمفاجأة والنية، وتحويلها إلى طبقة إضافية من البيانات تُضاف إلى مقاطع الفيديو التقليدية.
يوضح لوكاس غيرك، عالم الأعصاب المشرف على المشروع، أن مستوى النشاط الدماغي في لحظات بعينها يمنح النماذج مؤشرات قيّمة حول توقيت توظيف أعلى مستويات الانتباه الحسابي — وهو ما يُترجَم عملياً إلى نماذج أكثر كفاءة وأقل إهداراً للموارد. لا تزال هذه التجربة في مرحلتها الأولية؛ إذ تعتزم Encord بناء مجموعة بيانات مصنّفة بموجات الدماغ، ثم اختبار أثرها على أداء نماذج روبوتية فعلية قبل اتخاذ قرار التوسع.
أساليب متعددة لجمع بيانات العالم الحقيقي
تعتمد Encord في منظومتها على مصدرين رئيسيين لتوليد بيانات التدريب:
- الفيديو الأناني (Egocentric Video): مقاطع تُصوَّر من منظور المشغّل البشري عبر كاميرات مثبتة على الرأس، مع زوايا إضافية وقياسات تكميلية، وتُجمع من مصانع في مواقع متعددة حول العالم.
- تقنية القائد والتابع (Leader-Follower Rigs): أذرع روبوتية مزدوجة يتحكم الإنسان في إحداها مباشرة بينما تحاكي الثانية حركاته بدقة، لجمع بيانات عن مهام دقيقة كصبّ القهوة وتوصيل الكابلات.
يُجرّب الفريق أيضاً تقنية ثالثة ناشئة: أجهزة استشعار تُربط بالساعد لقراءة الإشارات الكهربائية في العضلات، بهدف بناء نموذج ثلاثي الأبعاد لحركة اليد كاملة، وهو ما لا تستطيع مقاطع الفيديو العادية تحقيقه بدقة كافية.
التكلفة: الفارق الحاسم بين الروبوتات وروبوتات الدردشة
يُقدّر فيلمورغان أن البيانات المُصنَّفة تفصيلياً — من قبيل «اليد اليمنى تُحكم ربط البرغي» — تفوق في قيمتها التدريبية البيانات الخام بمقدار مئة ضعف، في حين لا تتجاوز تكلفة إنتاجها عشرين ضعف تكلفة البيانات العادية. على الورق، هذه معادلة رابحة.
غير أن «عشرين ضعفاً» تظل أموالاً حقيقية. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الذكاء الاصطناعي الجسدي ونظيره اللغوي: نماذج اللغة بنت ثروتها المعرفية من بيانات إنترنت مجانية في معظمها، بينما بيانات الروبوتات يجب توليدها يداً بيد، تجربةً بتجربة، مما يُغيّر جذرياً الاقتصاديات الكامنة وراء بناء هذه النماذج. ويرى فيلمورغان أن الوصول إلى الاختراق الحقيقي يستلزم حجماً من البيانات يعادل نحو خمسة أضعاف المحتوى المرئي المتاح على منصة يوتيوب.
الموقع الاستراتيجي: بين الجميع في آنٍ واحد
يمنح عمل Encord مع طيف واسع من شركات الروبوتات — دون أن يُفصح فيلمورغان عن أسمائها — رؤية استراتيجية نادرة لمسار التقدم في هذا القطاع. فبإمكان الشركة رصد الأساليب الأكثر فاعلية وتلك التي تُخفق، ثم توظيف هذه المعرفة المتراكمة لصالح عملائها جميعاً. في سوق تُعدّ فيه البيانات الجوهرةَ الأندر، يبدو هذا الموقع الوسيط ميزةً تنافسية لا يستهان بها.
ما يجري في مستودع سان لياندرو ليس مجرد تجميع بيانات؛ إنه نموذج ناشئ لصناعة بأكملها: صناعة بيانات العالم الحقيقي، التي قد تكون المحرك الخفي لثورة الذكاء الاصطناعي الجسدي في السنوات المقبلة.
✦ بقلم فريق دروب أيديا
دروب أيديا - DROPIDEA
نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.
الوسوم
الأدمن
DROPIDEA
أحدث المقالات
ChatGPT يتكامل مع رسائل آبل: إدارة محادثاتك بالذكاء الاصطناعي
بيانات جديدة: OpenAI تقلّص الفجوة مع Anthropic في سوق الشركات
شركة Micro1 تقفز إلى إيرادات 500 مليون دولار مع ازدهار بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي
شركة ناشئة تختصر تصنيع وقود الاندماج النووي من أيام إلى دقائق