الذكاء الاصطناعي والتقنية

هل يمكن حقاً تبريد مراكز البيانات باستخدام المياه المُعاد تدويرها؟

DROPIDEA بقلم الأدمن
August 21, 2026 14 مشاهدة
DROPIDEA | دروب ايديا - هل يمكن حقاً تبريد مراكز البيانات باستخدام المياه المُعاد تدويرها؟

في حملة تسويقية ساخرة، تعاونت علامة تجارية للمشروبات مع نجم رياضي سابق للترويج لفكرة طريفة: استخدام «بول البشر» لتبريد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي تستهلك كميات هائلة من المياه لمنع خوادمها من الاحتراق. وبينما بدت الفكرة مجرد مزحة إعلانية، فإنها لمست عن غير قصد حقيقة تقنية جادّة: مراكز البيانات تُبرَّد بالفعل باستخدام مصادر مياه بديلة، بعضها مشتقّ من مياه الصرف الصحّي.

لماذا تحتاج مراكز البيانات إلى كل هذه المياه؟

تُنتج الخوادم التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي حرارة ضخمة، ويتطلّب تبريدها كميات كبيرة من الماء. ومن أشهر أساليب التبريد ما يُعرف بـ«التبريد التبخّري»، حيث يمرّ الهواء الساخن عبر الماء لتُنتزَع الحرارة عبر عملية التبخّر. هذا الاستهلاك المتصاعد يضع ضغطاً حقيقياً على مصادر مياه الشرب المحلية، ما دفع الشركات إلى البحث عن بدائل.

المياه المُعاد تدويرها: البديل الواقعي

يوضّح خبراء قطاع المياه أن استخدام «البول الخام» لتبريد مراكز البيانات فكرة غير عملية إطلاقاً؛ فهو يحتوي على أملاح ويوريا وبكتيريا ومواد عضوية تترك رواسب معدنية تستوجب تنظيفاً مستمراً. أما البديل الحقيقي فهو المياه المُعاد تدويرها، التي تُنتَج من معالجة مياه الصرف والمجاري حتى تصبح آمنة للاستخدام الصناعي.

وتشمل محطات المعالجة تقنيات متعدّدة مثل:

  • المفاعلات الحيوية الغشائية (Membrane Bioreactors).
  • التناضح العكسي (Reverse Osmosis).
  • التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية.

وفي بعض الحالات يمكن تنقية هذه المياه لدرجة تجعلها صالحة للشرب، وهو أسلوب يستخدمه روّاد الفضاء بالفعل لإعادة تدوير مياههم على متن المركبات.

ممارسة قائمة منذ عقود

تشير المتخصّصة في إعادة استخدام المياه بالدكتورة غريتا زورنس إلى أن الصناعات المختلفة تستخدم المياه المُعاد تدويرها للتبريد منذ عشرات السنين، لكن الطفرة الأخيرة في بناء مراكز البيانات جعلت هذا المجال محور عملها اليومي تقريباً. فحين تعتمد مراكز البيانات على المياه المُعاد تدويرها، فإنها تخفّف العبء عن إمدادات مياه الشرب المحلية.

العقبة الكبرى: البنية التحتية

المشكلة أن التحوّل إلى المياه المُعاد تدويرها يتطلّب بنية تحتية قادرة على معالجة ملايين الجالونات يومياً. ولذلك يجب أن يكون مركز البيانات قريباً من محطة معالجة كبيرة بما يكفي. وهنا تظهر أزمة حقيقية: كثير من مراكز البيانات تُبنى في مناطق ريفية حيث لا تكفي محطات المعالجة الصغيرة لتوفير هذه الكميات.

ويوضّح مثال مقاطعة لاودون في ولاية فرجينيا حجم التحدّي؛ فهي تضم أكثر من 250 مركز بيانات مع خطط لبناء العشرات إضافةً إليها. وحتى عام 2025، كانت هذه المراكز تستهلك نحو 200 مليون جالون من المياه المُعاد تدويرها يومياً، لكن هذا لا يمثّل سوى 43% من إجمالي استهلاكها، بينما تأتي النسبة الباقية (57%) من مصادر مياه الشرب.

هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى حلّ؟

يرى بعض الخبراء أن صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها قد تتحوّل إلى محرّك لتطوير البنية التحتية للمياه. فبعض الشركات الكبرى تعهّدت بضخّ استثمارات ضخمة في مشروعات معالجة مياه الصرف قرب مراكز بياناتها، لتصبح هذه المراكز بمثابة «ركائز» تدعم البلديات في مواجهة تحدّياتها المائية.

وعلى صعيد السياسات، يدعو مختصّون إلى تشريعات تمنح إعفاءات ضريبية تصل إلى 30% لتشجيع الصناعات على توسيع بنية إعادة تدوير المياه، ما من شأنه تسريع هذا التحوّل بشكل كبير.

الخلاصة

رغم الطابع الساخر للحملة الإعلانية، فإنها سلّطت الضوء على قضية بيئية حقيقية. لا أحد سيسكب البول مباشرةً في أبراج التبريد، لكن معالجة مياه الصرف وإعادة تدويرها أصبحت اليوم أداة عملية وواعدة لتخفيف بصمة الذكاء الاصطناعي المائية. ويبقى التحدّي الأكبر هو الوقت والاستثمار اللازمان لبناء البنية التحتية القادرة على مواكبة هذا النمو المتسارع.

✦ بقلم فريق دروب أيديا

دروب أيديا - DROPIDEA

نأمل أن تكون هذه المقالة قد أضافت لك قيمة حقيقية. في دروب أيديا نسعى دائمًا لتقديم محتوى عربي عالي الجودة يساعدك على النمو والتطور في المجال الرقمي. تابعنا للمزيد من المقالات والشروحات المفيدة.

الوسوم

#الذكاء الاصطناعي #مراكز البيانات #استدامة المياه #إعادة تدوير المياه

مشاركة المقال